الآلوسي
75
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
هذا ما وقفت عليه من كلام القوم قدس اللّه تعالى أسرارهم ، ولم أظفر بالتفصيل الذي ذكره ، مولانا الشيخ قدس سره فتدبر ، وقد ذكر أصحابنا الرسميون أن الصديق صيغة مبالغة - كالسكير - بمعنى المتقدم في التصديق المبالغ في الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال ، ويطلق على كل من أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأماثل خواصهم كأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ، وأن الشهداء جمع شهيد ، والمراد بهم الذين بذلوا أرواحهم في طاعة اللّه تعالى وإعلاء كلمته وهم المقتولون بسيف الكفار من المسلمين ، وقيل : المراد بهم هاهنا ما هو أعم من ذلك ، فعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما تعدون الشهيد فيكم ؟ قالوا : يا رسول اللّه من قتل في سبيل اللّه تعالى فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إن شهداء أمتي إذا لقليل من قتل في سبيل اللّه تعالى فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون فهو شهيد ، ومن مات مبطونا فهو شهيد » وعد بعضهم الشهداء أكثر من ذلك بكثير ، وقيل : الشهيد هو الذي يشهد لدين اللّه تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، وزعم النيسابوري أنه لا يبعد أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] وليس بشيء كما لا يخفى ، وأن المراد بالصالحين الصارفين « 1 » أعمارهم في طاعة اللّه تعالى وأموالهم في مرضاته سبحانه ، ويقال : الصالح هو الذي صلحت حاله واستقامت طريقته . والمصلح هو الفاعل لما فيه الصلاح قال الطبرسي : ولذا يجوز أن يقال : مصلح في حق اللّه تعالى دون صالح ، وليس المراد بالمعية اتحاد الدرجة ولا مطلق الاشتراك في دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإن بعدت المسافة بينهما ، وذكر غير واحد أنه لا مانع من أن يرفع الأدنى إلى منزلة الأعلى متى شاء تكرمة له ثم يعود ولا يرى أنه أرغد منه عيشا ولا أكمل لذة لئلا يكون ذلك حسرة في قلبه ، وكذا لا مانع من أن ينحدر الأعلى إلى منزلة الأدنى ثم يعود من غير أن يرى ذلك نقصا في ملكه أو حطا من قدره . وقد ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون ، وادعى بعضهم أن لا تزاور مع رؤية كل واحد الآخر ، وذلك لأن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع فينعكس بعضها على بعض كالمرايا المجلوة المتقابلة ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [ الحجر : 47 ] وزعم أنه التحقيق وهو بعيد عنه ، وأبعد من ذلك بمراحل ما قيل : يحتمل أن يكون المراد أن معنى كون المطيع مع هؤلاء أنه معهم في سلوك طريق الآخرة فيكون مأمونا من قطاع الطريق محفوظ الطاعة عن النهب وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً أي صاحبا ، وهو مشتق من الرفق ، وهو لين الجانب واللطافة في المعاشرة قولا وفعلا ، والإشارة يحتمل أن تكون إلى النبيين ومن بعدهم وما فيها من معنى البعد لما مرّ مرارا و رَفِيقاً حينئذ إما تمييز أو حال على معنى أنهم وصفوا بالحسن من جهة كونهم رفقاء للمطيعين ، أو حال كونهم رفقاء لهم ولم يجمع لأن فعيلا يستوي فيه الواحد وغيره أو اكتفاء بالواحد عن الجمع في باب التمييز لفهم المعنى ، وحسنة وقوعه في الفاصلة ؛ أو لأنه بتأويل حسن كل واحد منهم أو لأنه قصد بيان الجنس مع قطع النظر عن الأنواع ، ويحتمل أن تكون إلى - من يطع - والجمع على المعنى ف رَفِيقاً حينئذ تمييز على معنى أنهم وصفوا بحسن الرفيق من الفرق الأربع لا بنفس الحسن فلا يجوز دخول - من - عليه كما يجوز في الوجه الأول . والجملة على الاحتمالين تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب والتشويق ، وفي الكشاف فيه معنى التعجب كأنه قيل : وما أحسن أولئك رفيقا ولاستقلاله بمعنى التعجيب قرئ وَحَسُنَ بسكون السين يقول المتعجب : حسن
--> ( 1 ) قوله : ( الصارفين ) كذا بخطه ا ه مصححه .